حبيب الله الهاشمي الخوئي
72
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
والفقرة الرابعة الآتية ، حيث طابق بين التأليف والتعادى والتقارن والتباين والتقريب والتباعد والتفريق والتداني . والمقصود أنّه جمع سبحانه بقدرته الكاملة وحكمته البالغة بين الأمور التي في غاية التباين والتباعد ، مثل جمعه بين العناصر المختلفة الكيفيّات وبين الروح والبدن ، والقلوب المتشتّتة والأهواء المتفرّقة ، فبدّل ذلك الجمع والتأليف الواقع على خلاف مقتضى الطبايع على قاهر يقهرها عليه ، وقاسر يقسر العناصر على الامتزاج والالتيام والاستحالة ، حتّى يحصل بينها كيفيّة متوسّطة هي المزاج إذ لو كان كلّ منها في مكانه لم يحصل بينها امتزاج فلم يتحصّل منها مزاج . العشرون أنّه ( مفرّق بين متدانياتها ) لا يخفى حسن المقابلة بين هذه القرينة والقراين الثلاث السابقة ، حيث جعل التفريق في قبال التأليف والقرآن والتقريب وجعل التداني في مقابلة التباعد والتباين والتعادى . والمراد أنه فرّق بين الأشياء على منتهى قربها مثل تفريقه بين أجزاء العناصر لبطلان تركيبها وبين الرّوح والبدن بالموت وبين أجزاء المركبات عند انحلالها والأبدان بعد موتها ، فدلّ ذلك التفريق على وجود المفرّق وقدرته ، قال تعالى : * ( « وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » ) * . قيل في تفسيره : إنّ في خلق الزوجين دلالة على المفرّق والمؤلَّف لهما ، لأنّه خلق الزوجين من واحد بالنوع فيحتاج إلى مفرّق يجعلهما متفرّقين وجعلهما مزاوجين مؤتلفين ألفه بخصوصهما فيحتاج إلى مؤلَّف يجعلهما مؤتلفين . الحادي والعشرون أنّه ( لا يشمل بحدّ ) أي لا يشمله حدّ ولا يكون محدودا به ، لا بالحدّ الاصطلاحي ولا بالحدّ اللَّغوي ، لما مرّ غير مرّة في تضاعيف الشرح من أنّ الحدّ الاصطلاحي وهو القول الشارح لمهيّة الشيء المؤلف من المعاني الذاتية المختصّه به ، فلا بدّ أن يكون المحدود به مركَّبا ذا أجزاء ، والواجب تعالى ليس بمركب فلا يكون محدودا ، والحدّ اللَّغوي عبارة عن نهاية الشيء الذي يقف عندها ولا يتجاوز عنها ، وهو من لواحق الكمّ المتّصل والمنفصل والكمّ من الأعراض